ابن الجوزي

121

زاد المسير في علم التفسير

" لأملأن " : لام القسم ، والكلام بمعنى الشرط والجزاء ، كأنه قيل له : من تبعك ، أعذبه ، فدخلت اللام للمبالغة والتوكيد . فلام " لأملأن " هي لام القسم ، ولام " لمن تبعك " توطئة لها . فأما قوله : " منهم " فقال ابن الأنباري : الهاء والميم عائدتان على ولد آدم ، لأنه حين قال : ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) كان مخاطبا لولد آدم ، فرجع إليهم ، فقال : ( لمن تبعك منهم ) فجعلهم غائبين ، لأن مخاطبتهم في ذا الموضع توقع لبسا ، والعرب ترجع من الخطاب إلى الغيبة ، ومن الغيبة إلى الخطاب . ومن قال : ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) خطاب لآدم ، قال : أعاد الهاء والميم على ولده ، لأن ذكره يكفي من ذكرهم ، والعرب تكتفي بذكر الوالد من ذكر الأولاد إذا انكشف المعنى وزال اللبس . قال الشاعر : أرى الخطفى بذ الفرزدق شعره * ولكن لا خيرا من كليب مجاشع أراد : أرى ابن الخطفي ، فاكتفى بالخطفي من ابنه . قوله تعالى : ( لأملأن جهنم منكم ) يعني أولاد آدم المخالفين وقرناءهم من الشياطين . فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ( 20 ) قوله تعالى : ( فوسوس لهما الشيطان ) قيل : إن الوسوسة : إخفاء الصوت . قال ابن فارس : الوسواس : صوت الحلي ، ومنه وسواس الشيطان . و " لهما " بمعنى " إليهما " ، ( ليبدي لهما ) أي : ليظهر لهما ( ما ووري عنهما ) أي : ستر . وقيل : إن لام " ليبدي " لام العاقبة ، وذلك أن عاقبة الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما ، ولم تكن الوسوسة لظهورها . قوله تعالى : ( إلا أن تكونا ملكين ) قال الأخفش ، والزجاج : معناه : ما نهاكما إلا كراهة أن تكونا ملكين . وقال ابن الأنباري : المعنى : إلا أن لا تكونا ، فاكتفى ب‍ " أن " من " لا " فأسقطها . فإن قيل : كيف انقاد آدم لإبليس ، مستشرفا إلى أن يكون ملكا ، وقد شاهد الملائكة ساجدة له ؟ فعنه جوابان : أحدهما : أنه عرف قربهم من الله ، واجتماع أكثرهم حول عرشه ، فاستشرف لذلك ، قاله ابن الأنباري . والثاني : أن المعنى : إلا أن تكونا طويلي العمر مع الملائكة ( أو تكونا من الخالدين ) لا تموتان أبدا ، قاله أبو سليمان الدمشقي . وقد روى يعلى بن حكيم عن ابن كثير : " أن تكونا